ابن الجوزي
134
صفة الصفوة
ومن أحقّ بذلك مني ؟ واللّه ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على دنياكم ، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء . وكان يقول : اللهم في الدنيا الهموم والأحزان ، وفي الآخرة العذاب والحساب ، فأين الرّوح والفرح . عن عبد اللّه بن غالب عن عامر بن يساف . قال : سمعت المعلّى بن زياد يقول : كان عامر بن عبد اللّه قد فرض على نفسه في كل يوم ألف ركعة وكان إذا صلّى العصر جلس وقد انتفخت ساقاه من طول القيام فيقول : يا نفس ، بهذا أمرت ولهذا خلقت ، يوشك أن يذهب العناء . وكان يقول لنفسه : قومي يا مأوى كلّ سوء فو عزّة ربّك لأزحفنّ بك زحوف البعير ولئن استطعت أن لا يمسّ الأرض من زهمك « 1 » لأفعلن . ثم يتلوى كما تتلوى الحيّة على المقلى . ثم يقوم فينادي : اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي . [ روى ] « 2 » ابن وهب وغيره ، يزيد بعضهم على بعض في الحديث ، أن عامر بن عبد قيس كان من أفضل العابدين . ففرض على نفسه كل يوم ألف ركعة يقوم عند طلوع الشمس فلا يزال قائما إلى العصر . ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه وقدماه فيقول : يا نفس إنما خلقت للعبادة يا أمّارة بالسوء واللّه لأعملنّ بك عملا ، لا يأخذ الفراش منك نصيبا . قال : وهبط واديا يقال له وادي السباع وفي الوادي عابد حبشي يقال له حممة . فانفرد عامر في ناحية وحممة في ناحية يصلّيان ، لا هذا ينصرف إلى هذا ، ولا هذا ينصرف إلى هذا ، أربعين يوما وأربعين ليلة . إذا جاء وقت الفريضة صلّيا ثم أقبلا يتطوعان . ثم انصرف عامر بعد أربعين يوما إلى حممة فقال : من أنت يرحمك اللّه ؟ فقال : دعني وهمّي . قال : أقسمت عليك . قال : أنا حممة . قال عامر : لئن كنت أنت حممة الذي ذكر لي لأنت أعبد من في الأرض ، فأخبرني عن أفضل خصلة . قال : إني لمقصّر ولولا مواقيت الصلاة تقطع عليّ القيام والسجود لأحببت
--> ( 1 ) الزهمة : الريح المنتنة . ( 2 ) زيدت على المطبوع .